( تطور قوانين الحرب )
إعداد :
وليد برهام
باحث فى القانون الدولى الإنسانى
أولا تعريف الحرب :
الحرب لغة : القتال بين فئتين ( مؤنثة وقد تذكر على معنى القتال ) ، يقال قامت الحرب على ساق : إشتد الأمر وصعب الخلاص منه.[1]
أما تعريف الحرب قانوناً :
فقد ثار حوله الجدل والنقاش وكثرت التعريفات بحيث يصعب القول بوجود تعريف موحد للحرب .
وهذه هي أهم المحاولات الفقهية لتعريف الحرب :
1 – يرى البعض أن الحرب هي كفاح بين دولتين أو أكثر عن طريق إستخدام قواتهم المسلحة بغرض إخضاع كلاً منهم وفرض شروط السلام نزولاً على رغبة المنتصر.[2]
وذهب البعض إلى وصف الحرب بانها تجربة لا إنسانية وان كل حرب - حتى أكثرها إنتصاراً – هي وبال على الوطن ، وأى تعويض لا يمكن أن يعوض الوجود الانسانى.[3]
ويذهب البعض فى تعريفها :
إلى ان الحرب من الناحية القانونية ( هي قتال مسلح بين الدول بهدف تغليب وجهة نظر سياسية وفقاً لوسائل نظمها القانون الدولي).[4]
- 11 -
وقد غلب الطابع الشكلى على مؤلفات فقهاء القانون الدولي التقليدية حيث ظهر جلياً في كتاباتهم الإهتمام بالشكليات والإجراءات مثل الإهتمام بإعلان الحرب ، وقيام حالة الحرب . وقد برز هذا الطابع الشكلى منذ نادى جروسيوس بفكرته القائلة إن الحرب حالة شكلية.[5]
وقد عرفها أستاذنا الدكتور حامد سلطان : بأنها ( صراع بين دولتين أو أكثر ، يستخدم فيه المتصارعون قواتهم المسلحة بقصد التغلب على بعضهم البعض وفرض شروط الصلح على المغلوب كما يشاؤها الغالب).[6]
وقد عرف " كلاوزيفيتس "[7] الحرب بأنها نشاط إجتماعي وبالتإلى فإن الذي يحكم الحرب ويحدد معالمها هو العلاقات الأجتماعية – أى المجتمع الذي يخوضها ونوعية الحكومة التي يقبل ذلك المجتمع أن تسوسه.[8]
ويعرفها Starke بانها ( نزاع بين دولتين او أكثر تلجأ فيه الأطراف المتحاربة إلى إستخدام قواتها المسلحة ، والغرض النهائى لكل طرف متنازع القضاء على الطرف الاخر وفرض شروطه للسلام ).[9]
وقد ذهب الدكتور محمد حافظ غانم إلى أن : الحرب في القانون الدولي التقليدى صراع مسلح بين دولتين أو أكثر ينظمه القانون الدولي ، ويكون الغرض منه الدفاع عن المصالح الوطنية للدول المتحاربة.[10]
- 12 -
وقد ذهب بن خلدون في مقدمته إلى أن أصل الحروب إرادة إنتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته وسبب هذا الانتقام إما غيرة ومنافسة ، وإما عدوان وإما غضب لله ولدينه ، وإما غضب للملك وسعى في تمهيده .[11]
وعلى ذلك فالحرب عند بن خلدون إما حروب بغى وفتنة وإما حروب جهاد وعدل.
وينظر البعض إلى حالة الحرب على انها حدث أو فعل أساسه الخروج على القانون الدولي على الرغم من أن القانون يضع القواعد لإدارتها والتي تختلف عن تلك السائدة في وقت السلم. .[12]
· ويرى أستاذنا الدكتور صالح بدر الدين :
أن معظم التعريفات تتفق في أن الحرب تمثل صراعاً أو نضالاً مسلحاً بين دولتين أو أكثر لتحقيق أغراض سياسية.[13]
وتتضمن إتفاقيات جنيف والبروتوكولات المكملة لها أن كل الأغراض تخلت عن إستخدام عبارة حرب وتفضل بدلاً منها عبارة " النزاع المسلح " [14]
· من التعريفات السابقة يمكن أن نستخلص عناصر الحرب وهي :
1 – أنها صراع بين دولتين أو أكثر ، وهو ما يميز الحرب الدولية عن الحرب الأهلية . ، ولذلك يجب التفرقة بين الحرب الدولية والحرب الأهلية حيث تبدو أهمية هذه التفرقة في أنه ينطبق على الحرب الدولية قوانين الحرب بما تتضمنه من قواعد إنسانية في حين لا تنطبق هذه القواعد على الحرب الأهلية.[15]
- 13 -
2 – تلجأ القوات المتصارعة إلى إستخدام قواتها المسلحة ، وعلى ذلك تخرج الحرب الباردة عن هذا النطاق .
3 – تهدف الحروب بصفة عامة إلى تحقيق أغراض سياسية للدول المتحاربة ، وهذه الأغراض تختلف بإختلاف ظروف كل حرب وأسباب قيامها .
ثانياً – تطور قوانين الحرب :
1 – النشأة التاريخية لقانون الحرب :
لقد عانت البشرية طوال حقبها المختلفة ويلات الحروب وعندما نزلت الأديان السماوية وقفت من الحروب مواقف مختلفة . فالدين اليهودي لم يحظر الحرب ، بل على العكس من ذلك أباحها ومجدها ، ولم يضع القيود على ممارستها ، أو على طرق هذه الممارسة أو على أساليب القتال أو على معاملة الأسرى . فقانون اليهود هو السن بالسن ، وربهم هو رب الانتقام . والعهد القديم إذ يروي الكثير من القصص عن حروب اليهود مع فراعنة مصر ومع الأقوام الأخرى إنما يؤيد هذا الذي سبق قوله .
والحرب ظاهرة أجتماعية بدأت منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل .[16] ، وأستمرت سجالاً بين البشر فلم يخل تاريخ أمة من الأمم من الحروب .
ولم تكن هناك قواعد تنظم الحروب وتضع قيوداً عليها في العصور القديمة فكانت الحروب تشهد الكثير من حالات تدمير المدن وهتك الأعراض وحرق الزرع وتشريد المدنيين وسفك دمائهم دون مبرر سوى الوحشية والانتقام ، والأمثلة على ذلك كثيرة : منها أنه ( في خلال القرن الثاني ق . م . خاضت روما حرباً متواصلة لمد نفوذها في منطقة البحر الأبيض المتوسط والمحافظة عليها . وفي عام 146 ق. م دمرت قرطاجة تدميراً نهائياً ، وقامت في مقدونيا ثلاث حروب ،
- 14 -
ولكن ظهر في بعض هذه الحملات عدم كفاءة القيادة وسوء تنظيم الفرق وأكثر من ذلك تفشى الفساد في الشخصية الأمبرياليه الرومانية وعلى سبيل المثال فقد ذبح الكثير من ضحايا معركة بيدنا عام 168 ق . م ).[17]
ونظراً لخطورة الحرب وما تسببه من ويلات للدول والشعوب فإن الفلاسفة القدامى امثال شيشرون وماركوس وأورليوسكانوا ينادون بوجوب إستقرار السلم لأطول مدة ممكنة وكانوا يناهضون الحرب ولكن على أسس أدبية وإنسانية فحسب.[18]
فعرفت بعض الجماعات القديمة شيئاً من القواعد التي تحكم وتنظم بعض جوانب العمليات الحربية مثل تلك القواعد التي وردت في مجموعة مانو في الهند القديمة ( والتي تحرم على المقاتل أن يقتل عدوه إذا إستسلم أو أوقع في الأسر ، وكذلك من كان نائماً أو فقد سلاحه ، أو غير المقاتلين من المسالمين ).[19]
ثم أخذت هذه الأفكار تتبلور شيئاً فشيئاً وتتجه إلى التلطيف من قسوة الحروب وويلاتها تحت تأثير الديانات السماوية وتعليماتها .
2 – الحرب والأديان السماوية :
إختلفت نظرة الأديان السماوية للحرب فبينما إنطلقت النظرة المسيحية والإسلامية للحرب من منطلق إنساني تميز موقف الدين اليهودى بالعنف والقسوة فلم يحظر الحرب ولم يضع القيود على ممارستها .[20]
- 15 -
أ – اليهود والحرب :
فيما يتعلق بالحرب عند اليهود يبدو كل شئ مباح فهم لا يعترفون بإعلان الحرب حيث تبدأ حروبهم فجأة وغدراً ودون إنذار ، وإذا إقتحموا أى بلد وجب قتل جميع سكانه لا فرق بين رجل مسلح وآخر لا يحمل السلاح ، وهم لا يراعون حرمة الشيخ الكبير أو المرأة أو الطفل أو العامل الأجير.[21]
فقانون اليهود هو السن بالسن ، وربهم هو رب الإنتقام ، والعهد القديم يروى الكثير من قصص حروبهم مع فراعنة مصر ومع الأقوام الأخرى .[22]
ومن الملاحظ أن اليهود ما زالوا لا يلتزمون بقواعد أثناء حروبهم والدليل على ذلك حروبهم مع المسلمين منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى حروبهم الأخيرة في أعوام 1948 ، 1956 ، 1967 ، 1973 ، وكذلك مذابح قانا ودير ياسين وبحر البقر والجليل وغزة حديثاً حتى عام 2004 ، وغيرها من المذابح التي لم يحترموا فيها أى قواعد إنسانية .
وإن كان البعض يرى أن العهد القديم كان أول وثيقة تتضمن تقييداً للحرب فقد منع اليهود من قتل النساء والأطفال ، ولكنهم لم يحترموا تلك القواعد في حروبهم.[23]
ب – النظرة المسيحية للحرب :
تقوم المسيحية في الأصل على فكرة السلام الخالصة ، ومن تعاليمهم الثابتة النهي عن القتل والتحذير من القيام به ، والأناجيل الأربعة مجمعة على ان من يقتل بالسيف فبالسيف يقتل ، والرب في المسيحية هو رب السلام والمحبة .[24]
- 16 -
وعندما بدأت المسيحية زحفها على روما صادفت عقبات كثيرة ومقاومة شديدة من جانب الحاكمين وذلك لإمتناع المسيحيين عن القيام بالخدمة العسكرية في روما ولرفضهم أن ينخرطوا في الجيش الروماني أو أن يشتركوا في الحروب التي كانت تشنها الامبراطورية الرومانية ، وعلى إثر ذلك قام صراع عنيف بين دعاة المسيحية المسالمة ورجال الحكم في روما وقد دام هذا الصراع قرابة أربعة قرون .[25]
ومع صدور قرار ميلانو الشهير في عام 313 ميلادية أصبحت الكنيسة قوة زمنية عظمى ، وهذا التحالف بين الكنيسة والدولة أدى بالسلطة إلى إباحة الحرب.[26]
وقد حاول رجال الدين المسيحي التوفيق بين روح المسالمة المسيحية من جهة وروح السيطرة العسكرية من جهة أخرى حيث بدأت تظهر بعض النظريات في هذا الشأن على يد بعض القديسين ، إلا أن الفضل الأكبر في إيجاد هذا التوفيق يرجع إلى القديس ( أوغسطين ) الذي كان لمؤلفيه { العقيدة المخالفة } ، و { مدينة الله } الأثر الحاسم في إيجاد التوافق بين الفكر المسيحي والاتجاه العسكرى للحكام.[27]
وبذلك فقد إعتبرت تعاليم الكنيسة الكاثوليكية التي سادت عشرة قرون الحرب مشروعة إذا تم شنها للمعاقبة على الأخطاء في حق المواطنين أو لإستعادة ما أخذته الدولة دون وجه حق أو ضد الوثنيين .[28]
ومن تعاليمها الثابتة النهي عن القتل والتحذير من القيام به . والأناجيل الأربعة مجتمعة على أن من يقتل بالسيف ، فبالسيف يقتل . والرب في المسيحية هو ورب السلام والمحبة . ولذلك فإنه عندما بدأت المسيحية زحفها الروحي على روما عاصمة الإمبراطورية صادفت عقبات كثيرة ومقاومة شديد من جانب الحاكمين ، وذلك لامتناع المسيحيين عن القيام بالخدمة العسكرية في روما ، ولرفضهم أن ينخرطوا في الجيش الروماني أو أن يشتركوا في الحروب التي كانت تشنها الإمبراطورية الرومانية .
- 17 -
وعلى أثر ذلك قام صراع عنيف بين دعاة المسيحية المسالمة ورجال الحكم في روما . وقد دام هذا الصراع قرابة أربعة قرون . وابتداء من القرن الرابع للمسيح - عليه السلام - بدأ رجال الدين المسيحي يتراجعون عن موقفهم ، ويحاولون التوفيق بين روح المسالمة المسيحية من جهة وروح السيطرة العسكرية من جهة أخرى .
ولعل الداعية الذي كان له الأثر الحاسم في إيجاد هذا التوفيق هو القديس "أوغسطين" الذي أخرج في هذا الشأن كتابين هما : Contra Faustum أي "ضد العقيدة" و"مدينة الرب" Cité de Dieu وقد سوغ "أوغسطين" فكرة مشروعية الحرب للمسيحيين ووضع للحرب الشروط التالية التي ظلت قائمة في أوروبا المسيحية فترة طويلة :-
1- وجوب التمييز بين نوعين من الحروب : الحرب العادلة والحرب الظالمة ، وتعد الحرب عادلة إذا كان الغرض منها الانتقام من الظالم .
2- يجب ألا تعلن الحرب إلا إذا اقتضتها الضرورة وحدها ، فهي التي تسوغ عدالة الحرب .
3- من بين الحروب التي تعد عادلة : الحروب الدفاعية ، والحروب التي أمر بها الله والحروب التي يكون الغرض منها حماية الحلفاء .
4- ومن بن الحروب غير العادلة : حروب المغانم ، والحروب التي تشبع شهوة السيطرة ، والحروب التي تشبع الرغبة في الإبقاء على التفوق العسكري ، والحروب التي تشبع الرغبة في الحصول على المجد العسكري .[29]
جـ – نظرة الإسلام للحرب :
كانت الحروب قبل النبي صلى الله عليه وسلم حروب شعوب ، فكان الشعب المقاتل يستبيح من الشعب الآخر كل الحرمات في الميدان وفي خارج الميدان ، وفي أثناء المعركة وبعدها وقبلها ما دامت العداوة مستحكمة ، وأستمرت الحال كذلك حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم فأعلن بالفعل لا بالقول أن القتل في الحروب لا يتجاوز الميدان
- 18 -
، وأن الحرب ليست بين الشعوب إنما هي بين القوات المتحاربة ، ولذلك لم يكن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يبيح قتل أحد لا يقاتل .[30]
حيث يمكن القول بأنه عندما جاء الإسلام ذهب أغلبية فقهاء المسلمين إلى أن أساس العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول يقوم أصلاً على السلم . ذلك أن الإسلام يجنح للسلم لا للحرب ، وأنه لا يجيز قتل النفس لمجرد أنها تدين بغير الإسلام ، ولا يبيح للمسلمين قتال مخالفيهم لمخالفتهم في الدين . وإنما يأذن في قتالهم ويوجب هذا القتال إذا اعتدوا على المسلمين ، أو وقفوا عقبة في سبيل بث الدعوة الإسلامية ، حتى إذا لم يكن من المخالف في الدين عدوان لا على المسلمين ولا على دعوتهم فلا يحل قتاله ، ولا تحرم معاملته ومبادلته المنافع . وقد استند هذا الفريق من العلماء على ما يلي :-
1- أن آيات القتال في القرآن الكريم جاءت مبينة السبب الذي من أجله أذن في القتال ، وهو يرجع إلى أحد أمرين : إما دفع الظلم ، وإما قطع الفتنة وحماية الدعوة . قال تعالى في سورة البقرة المدنية : "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |